دراسات في الحياة الجماعية
الجماعة مكان للانتماء
أنها المكان الذي يجدِ فيه المرء أرضه و هويته .
أن الرغبة في التواصل مع الآخرين هي أكثر ما في الكائن الحي جوهرية و منه تتفرع جميع الاحتياجات و الرغبات و أن لم يرتوي هذا العطش إلى التواصل تتصاعد في الشخص مشاعر الاضطراب و القلق يواكباها الشعور بالذنب و الانهيار و الغضب .
و إن هذا الألم قد يصل لحدة لا تطاق تدفع الولد للمحاولة في كل الأشكال إلى إغفاله و إخفاءه حيث يلجأ إلى الأحلام و العمل الدؤوب و الضجيج و ..... و عندئذ سيستطيع دفن هذا الشعور بالفراغ و العزلة الذي نجم عن عدم التواصل و بالتالي يدفن قلبه الجريح المتعطش للتواصل .
قد يكون لنا في ما يتعلق بالحب و التواصل و الانتماء مواقف مزدوجة , ففي كل شخص رغبة كبيرة في التواصل و الانتماء و لكن في نفس الوقت لديه شعور خوف منها , فالحب هو أكثر الأشياء التي نحتاجها و في نفس الوقت هو أكثر ما نخاف منه فهو يفتحنا على الآخرين و يبرز مواهبنا و لكنه في نفس الوقت يعرضنا لجروح الرفض و الفرق .
أننا نرغب في الانتماء إلى جماعة معينة و في الآن عينه نخشى في أن نلقى فيها شيئا من الموت حيث من الممكن أن نفقد فرادتنا , كما أننا نرغب في الحب و لكننا نتهيب مما يقتضيه من تبعية و التزام ....
إن كلمة جماعة هي لا تعني فقط عبارة عن مجموعة من الأشخاص و لكن لها معان أكبر فالشعب هو عبارة عن جماعة أيضا
شعبي هو جماعتي
هذا ما نناشد له فنحن أعضاء جسد واحد , فكلمة شعبي لا تعني أنني أنبذ الأخرين بل تعني أنني أنطلق إلى البشرية جمعاء و لا يسعني أن أكون أخا كونيا أن لم أحب في البداية جماعتي و بالتالي شعبي ......
الجماعة لا تهب المرء بل تساعده أيضا على تحمل وحدته في لقاء شخصي مع الله و بذلك أيضا الجماعة مشرعة على الكون و الاخر.
أننا ننتمي إلى للوجود و لجميعنا ما نتلقاه منه و ما نعطيه إياه . إننا جميعا جزء من كل.
و الخطر يكمن في إغفالنا ذلك و في اعتقادنا أننا مركز العالم و أن الآخرين موجودون من أجلنا , علينا إذن, التخلي عن هذا الضرب من الأنانية المدمرة لكي ننبعث على حب يعلمان الأخذ و العطاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجماعة مكان انفتاح و حب متبادل
مكان انفتاح
تجمع البشر أواصر اللحم و الدم و الانتماء إلى القرية الواحدة أو القبيلة الواحدة . و يقود آخرين بحثا عن الأمان و الرفاه و إلى التجمع لأنهم متشابهون و لان لهم رؤية واحدة إلى ذواتهم و إلى العالم و لهم رغبة مشتركة في النمو و الحب المتبادل و التعاطف , هؤلاء هم الذي يشكون الجماعة حقاً
و لكن غالباً ما لا تتكاتف الجماعات المختلفة على العمل لمجد الله بل تنغلق إحداها دون الأخرى و كل واحدة تظن أنها الشعب المختار حبيبة الله و الجماعة المصطفات من أجل تغيير وجه العالم و أنها تتفرد بامتلاك الحقيقة , أعضاء تلك الجماعات لا يدركون أن كل جماعة مختارة و أن كل جماعة مدعوة إلى إبراز قبس من مجد الله .
هكذا فأن الجماعات التي لا تتعاون تخلق التفرقة و تحل بينها المنافسة التي تفضي إلى الحسد و الحسد يولد في النهاية البغض و الحرب و الرغبة في التفوق و أبراز الذات فتعجز عن رؤية جمال الآخرين و تقديره .
تدعى الجماعة جماعة حقة عندما تنفتح على الآخرين و تبقى معرضة للتجريح و متواضعة , التي ينمو أعضاؤها في الحب و التعاطف و التواضع و تفقد الجماعة المعنى الحقيقي للجماعة عندما ينغلق أعضاؤها على ذواتهم واثقين من انفرادهم باحتكار الحكمة و الحقيقة .
الميزة الجوهرية لجماعة تعيش الانتماء الحق هي الانفتاح و الاستقبال و الإنصات إلى الله و إلى الوجود و إلى الأشخاص الآخرين و الجماعات الأخرى , فحياة الجماعة تكمن في أن أعيش الحياة الجماعية بإسقاط الحواجز من أجل تقبل الاختلاف .
الجماعة مكان حب متبادل
فضلا عن كون الجماعة كان انتماء و انفتاح هي أيضا حب لكل فرد و هنا يمكن تعريف الجماعة بعناصرها الثلاث و هي : حب كل فرد و الارتباط معا و عيش الرسالة .
في الجماعة يُحب كل فرد , لا الجماعة في معناها المجرد , و أن هؤلاء الأشخاص المرتبطون يؤلفون بل شعب ينهض ليحقق رسالة خاصة .
و لا تكون الجماعة هي جماعة حقة إلا عندما يشرع أعضاؤها يحبون بعضهم بعضا و يهتمون بنمو كل فرد . فعلى قول ديتريش بونهوفر : "من أحب الجماعة دمرها , و من أحب الأخوة بناها"
لا ينبغي أن تكون الجماعة أولوية على الأشخاص فهي موجودة من أجلهم و من أجل نموهم و حمالها و وحدتها ينبعان من إشعاع كل فرد من أفرادها و مما ينطوي عليه من نور و حب و من الطريقة التي بها يحبون بعضهم بعضا .
ففي الجماعة تُهدم الحواجز و تزول المظاهر و الأقنعة و لكن ذلك ليس سهلا , فكثيرون هم الذين بنوا شخصيتهم على إخفاء جراح قلبهم وراء حواجز الاستقلال و الاستغراق في النشاط بغية تأكيد الذات و إحراز النجاح و التحكم . و لا تكون الجماعة هي جماعة حقة إلا عندما يقلع أعضاؤها عن التستر عن الآخرين و عندما تنهار الحواجز و يستطيع الجميع عيش تجربة تواصل .